السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
55
مفاتيح الأصول
بالسّحاب في قولنا نزل السّحاب ومثال الرّابع تسمية العنب بالخمر في قوله تعالى إنّي أراني أعصر خمرا ومنها إطلاق المسبّب على السبب عكس الأوّل كتسمية الضّرب الشّديد موتا وإذا دار الأمرين بين هذا وما قبله فقال العلامة في النهاية والبيضاوي وغيرهما أن ما قبله أولى بالترجيح لأن السبب المعيّن يدلّ على المسبّب المعيّن لذاته ولا عكس فإن المسبّب لا يقتضي لذاته السّبب المعيّن بل سببا ما وقيل هذا أولى لأنّ وجود المسبّب بدون السّبب محال فالسّبب لازم له ولا عكس لجواز تلف المسبّب وأولى الأسباب السبب الغائي لتكرّر العلاقة فيه لأن العلَّة الغائية علَّة للمعلول في الذّهن لا هنا الباعثة للفاعل على الفعل ومعلولة في الخارج فوجد فيه العلاقتان ومنها إطلاق الشيء على شبهه والمشابهة قد تكون في الصّفة كما في رأيت أسدا في الحمّام وقد تكون في الشكل كما في إطلاق الإنسان على الصّورة المنقوشة وهذا القسم يسمّى بالمستعار وعن الغزالي أنّه قال ومنهم من قال بأن كلّ مجاز مستعار ومنها إطلاق الكلّ على الجزء كما في قوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم أي أناملهم ومنها إطلاق الجزء على الكلّ كما في قولك فلان يملك ألف رأس من الغنم أي ألفا من الغنم وهذا مرجوح بالنّسبة إلى عكسه على ما قيل لاستلزام الكلّ الجزء من غير عكس ومنها إطلاق الشيء على ما يؤول إليه كما في إطلاق الخمر على ما يصير خمرا قبل الأول إلى الشيء لا بد من القطع به كما في إنّك ميّت وإنهم ميّتون أو الظن كما في أعصر خمرا ولا يكفي الاحتمال لصحّة التجوز كالحرّ للعبد ومنها إطلاق الشيء على مجاوره كإطلاق الراوية الموضوعة للبعير على ظرف الماء المحمول عليه ومنها إطلاق الشيء على أحد جزئيّاته كما إذا أطلق الإنسان وأريد منه خصوص زيد ومنها عكس هذا كما إذا أطلق زيد وأريد منه الإنسانية المطلقة ومنها إطلاق المصدر على اسم المفعول كما في خلق اللَّه أي مخلوقه تعالى ومنها إطلاق المصدر على اسم الفاعل كما في زيد عدل أي عادل ومنها إطلاق اسم الفاعل على المصدر كما في قوله قم قائما أي قياما ومنها إطلاق اسم المفعول على المصدر كما في قوله تعالى بأيّكم المفتون أي الفتنة ومنها إطلاق العام على الخاص كما في إطلاق العلماء على زيد ومنها عكس هذا كما في قوله تعالى وحسن أولئك رفيقا أي رفقاء وقيل هذا أولى من عكسه لأن الخاص يستلزم العام ولا عكس ومنها إطلاق المحلّ على الحال كما في إطلاق المجلس على حضّاره ومنها عكس هذا كما في قوله تعالى ففي رحمة اللَّه أي في الجنّة ومنها إطلاق آلة الشيء عليه كما في قوله تعالى واجعل لي لسان صدق أي ذكرا حسنا ومنها إطلاق المبدل على البدل كما في قوله فلان أكل الدّم أي الدّية ومنها إطلاق الملزوم على لازمه كإطلاق النّطق على الدّلالة ومنها عكس ذلك كما في قوله فلان شدّ الإزار أي اعتزل عن النّساء ومنها إطلاق اسم الفاعل على اسم المفعول كما في قوله تعالى من ماء دافق أي مدفوق ومنها عكس هذا كما في قوله تعالى حجابا مستورا أي ساترا ومنها إطلاق النّكرة وإرادة العموم منها كما في قوله تعالى علمت نفس أي كلّ نفس ومنها إطلاق المعرّف باللَّام وإرادة التنكير منه كما في قوله تعالى وادخلوا الباب أي بابا وجميع هذه الأقسام ذكرها بعض الأفاضل والعلَّامة ذكر منها أحد عشر والبيضاوي اثنتي عشرة وعن علماء العربيّة أن علاقات المجاز تبلغ خمسة وعشرين وعن الصّفي الهندي الَّذي يحضرنا من أنواعها إحدى وثلاثون وقال الحاجبي كما عن الآمدي إنّها خمسة ويستفاد من كلام السيّد الأستاذ رحمه الله أنّ علائق المجاز ليست بمحصورة فإنّه قال التّحقيق أنّ العلاقة غير متوقّفة على السّماع ولا محصورة فيما ذكروه من الأنواع فإنهم عرفوا العلاقة بأنها اتّصال ما للمعنى المستعمل فيه بالمعنى الموضوع له وهو غير محصور ولذا نرى أن الأصوليّين وأرباب البيان لم يقفوا فيها على حدّ مضبوط ولا عدد معلوم فإنّ اللاحق منهم يزيد على الأوّل بحسب استقرائه وتتبّعه حتى حكي عن الصّفي الهندي أنّه قال الَّذي يحضرنا إلى آخره انتهى وهو جيّد الثّاني اختلف القوم في أن المجاز هل يتوقف على الاستعمال فيما وضع له فيكون مستلزما للحقيقة أو لا فذهب في النهاية والتهذيب والمنية والزّبدة وغيرها إلى الثاني والظاهر أنه مذهب المعظم بل حكي عن المحقّقين وحكي عن بعض الأوّل وهو الظاهر من علم الهدى وابن زهرة للقول الثاني وجوه الأوّل أن المجاز ليس استعمال اللَّفظ في خلاف ما وضع له فيتوقف على الوضع السّابق دون الاستعمال وقد يناقش فيه بأنّه يجوز أن يكون الاستعمال فيما وضع له شرطا لصحّته لأجزاء من مفهومه فتأمل الثاني أنّ لفظ عسى وضع لما وضع له سائر الأفعال ولم يستعمل فيه بل في غيره فلو كان المجاز مستلزما للحقيقة ومشروطا به لكان استعمال عسى خارجا عن قانون اللَّغة وقد يناقش فيه باحتمال كون لفظ عسى موضوعا في اللَّغة لما هو المتبادر منه الآن من غير نقل كما أشار إليه بعض ويؤيّده أصالة عدم النَّقل سلَّمنا لكن نمنع من كون المفهوم منه الآن معنى مجازيّا لجواز أن يكون معنى حقيقيّا آخر حصل بالنّقل ولا يشترط فيه سبقه بالتجوز لا يقال الغالب في النّقل سبقه بالتجوّز وصيرورته بغلبة الاستعمال في خلاف ما وضع له لأنّا نقول لو كان مسبوقا بالتجوّز لزم زيادة الحادث والأصل